في سورة النبأ (78:9)، يصرح القرآن: «وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا». المصطلح العربي «سباتاً» مشتق من الجذر «سبت» الذي يعني «توقف» أو «انقطع» أو «استراح». يشير هذا المصطلح إلى انقطاع النشاط، توقف مؤقت للوظائف النشطة.
هذا الوصف للنوم كـ«توقف» أو «انقطاع للنشاط» دقيق بشكل ملحوظ من الناحية العلمية. النوم ليس مجرد حالة سلبية، بل انقطاع منتظم ومنظم للنشاط الواعي، أساسي للبقاء.
السياق التاريخي
في القرن السابع، كانت طبيعة النوم غير معروفة تماماً. اعتبرته الحضارات القديمة حالة غامضة، مرتبطة أحياناً بالموت أو برحلات الروح. لم تكن هناك نظرية علمية تشرح لماذا ينام البشر حوالي ثلث حياتهم.
فقط في القرن العشرين بدأ العلم في كشف أسرار النوم. في عام 1929، سمح اختراع مخطط كهربية الدماغ (EEG) على يد هانز بيرغر بتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ أثناء النوم، مما فتح الطريق لفهم علمي لهذه الظاهرة.
اكتشاف نوم حركة العين السريعة (REM)
في عام 1953، اكتشف يوجين أسيرينسكي وناثانيال كليتمان، باحثان في جامعة شيكاغو، نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي مرحلة من النوم تتميز بحركات عين سريعة ونشاط دماغي مكثف. أحدث هذا الاكتشاف ثورة في أبحاث النوم وأدى إلى التعرف على 84 اضطراباً متميزاً للنوم ودورة اليقظة والنوم وعلاجها.
يتكون النوم من عدة دورات، كل منها يستمر حوالي 90 دقيقة، تتناوب بين:
- النوم الخفيف (المرحلتان 1 و2): مرحلة الانتقال والنوم الخفيف.
- النوم العميق (المرحلتان 3 و4): مرحلة التعافي الجسدي، وإفراز هرمون النمو، وتقوية جهاز المناعة.
- نوم حركة العين السريعة (REM): المرحلة المرتبطة بالأحلام، وتقوية الذاكرة، وتنظيم العواطف.
النوم العميق مهم بشكل خاص للتعافي الجسدي: خلال هذه المرحلة يصلح الجسم نفسه، وتتجدد الأنسجة، ويفرز هرمون النمو. المصطلح القرآني «سبات»، الذي يوحي بانقطاع النشاط، يتوافق جيداً مع هذه المرحلة من الراحة العميقة حيث يكون النشاط الجسدي في حده الأدنى.
النوم والدماغ
أظهرت الأبحاث الحديثة أن النوم ضروري لعمل الدماغ:
- تقوية الذاكرة: أثناء النوم، ينقل الدماغ المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى.
- إزالة السموم: في عام 2013، اكتشف باحثون من جامعة روتشستر أن النظام الجليمفاوي في الدماغ ينشط أثناء النوم لإزالة النفايات الأيضية، بما في ذلك بروتينات بيتا أميلويد المرتبطة بمرض الزهايمر.
- التنظيم العاطفي: يلعب نوم حركة العين السريعة دوراً حاسماً في معالجة العواطف وتنظيم المزاج.
- إصلاح الخلايا: أثناء النوم العميق، يفرز الجسم هرمونات النمو ويصلح الأنسجة التالفة.
الإيقاع اليومي
يذكر القرآن أيضاً تناوب الليل والنهار كآية إلهية: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَنَوْمًا سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا» (25:47). هذا التناوب يتوافق مع الإيقاع اليومي، الساعة البيولوجية الداخلية التي تبلغ حوالي 24 ساعة وتنظم دورة اليقظة والنوم.
في عام 2017، حصل جيفري هول ومايكل روسباش ومايكل يونغ على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لاكتشافاتهم حول الآليات الجزيئية التي تتحكم في الإيقاع اليومي. حددوا الجينات والبروتينات التي تنظم الساعة البيولوجية الداخلية، مؤكدين أن تناوب الليل والنهار متأصل بعمق في بيولوجيا الإنسان.
النوم في القرآن والسنة
يذكر القرآن النوم عدة مرات كعلامة على الرحمة الإلهية: «وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ» (30:23). كما أوصى النبي محمد ﷺ بممارسات نوم صحية، بما في ذلك النوم مبكراً والاستيقاظ مبكراً، وعلم أدعية قبل النوم.
يؤكد العلم الحديث أهمية النوم المنتظم والكافي للصحة الجسدية والعقلية. ترتبط اضطرابات النوم بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسمنة والاكتئاب والتدهور المعرفي.