في سورة الزمر، يصف الله تعالى النوم كحالة تُتوفى فيها النفس:
«اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الزمر 39:42)
يقيم هذا النص تشابهاً لافتاً بين النوم والموت، وهو تشابه أكده النبي محمد ﷺ نفسه عندما وصف النوم بأنه «الموتة الصغرى».
النوم: حالة من الوعي المتغير
أظهرت علوم الأعصاب الحديثة أن النوم ليس مجرد توقف للنشاط الدماغي، بل هو حالة فسيولوجية معقدة ونشطة، تتميز بتعديل عميق للوعي.
خلال النوم العميق (النوم البطيء)، يتباطأ النشاط الدماغي بشكل كبير، وينقطع الإدراك الحسي إلى حد كبير عن العالم الخارجي، ويدخل الدماغ في حالة عمل مختلفة تماماً عن اليقظة. هذا «الانقطاع» عن العالم الخارجي يقدم أوجه تشابه مع بعض حالات الوعي المنخفض.
اكتشاف نوم حركة العين السريعة
في عام 1953، اكتشف الباحثان يوجين أسيرينسكي وناثانييل كلايتمان من جامعة شيكاغو نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي مرحلة يكون فيها الدماغ نشطاً جداً بينما يكون الجسم مشلولاً. أحدث هذا الاكتشاف ثورة في فهم النوم وأظهر أن النوم ظاهرة أكثر تعقيداً بكثير من مجرد «فقدان الوعي».
نوم حركة العين السريعة، الذي تحدث خلاله معظم الأحلام، يوضح قدرة الدماغ على توليد تجارب عقلية مكثفة بينما يكون الجسم غير نشط تماماً — وهي حقيقة تتردد مع الوصف القرآني للنفس التي «تسافر» أثناء النوم.
النوم والذاكرة
كما أثبتت علوم الأعصاب الدور الأساسي للنوم في تثبيت الذاكرة والتخلص من النفايات الأيضية في الدماغ. نظام الغليمفاتيك، المكتشف مؤخراً، يكون نشطاً بشكل خاص أثناء النوم العميق، حيث ينظف الدماغ من البروتينات السامة المتراكمة أثناء اليقظة.
هذه الوظيفة «الإصلاحية» للنوم، الضرورية للبقاء والأداء المعرفي السليم، تؤكد حكمة تناوب اليقظة والنوم الذي ذكره القرآن كآية من آيات الرحمة الإلهية.
آيات لقوم يتفكرون
تدعو الآية 39:42 إلى التأمل في الحدود الدقيقة بين النوم والموت. والعلم الحديث، بكشفه عن تعقيد حالات الوعي والدور الحيوي للنوم، يلقي ضوءاً جديداً على هذا التشبيه القرآني الذي يعود إلى أربعة عشر قرناً.