الموسيقى (المعازف): حين يصير الصوت أداةً للتشكيل

SOC-01 سورة Luqman آية 6 2026-09-13 18:25:28
الآيات القرآنية

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ

سورة Luqman (31:6)

وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

سورة Al-An'am (6:70)

الأحاديث (السنة)

لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ

رواه Abu Malik al-Ash'ari — Sahih al-Bukhari n°5590 [Sahih (authentique)]

هناك طريقةٌ في الكلام عن الموسيقى تُغلق الحوار قبل أن يُفتح: تلك التي تزعم أنها «تُتلف الدماغ». ليس هذا مقصدنا، وليس هذا ما يقوله العلم. فالدماغ لا يُهاجَم بالصوت كما يُهاجَم بمادة سامّة. أما ما أثبتته علوم السلوك فهو أدقّ وأكثر إقلاقًا: الصوت يؤثّر في السلوك دون أن يشعر صاحبه، ويُستعمل رافعةً، وقد يحتلّ في النفس مكان الذكر.

وهذا بالضبط ما يستهدفه النصّ المقدّس. فالقرآن لا يذمّ جمال الصوت، بل يحذّر من لهو الحديث الذي يُضلّ عن سبيل الله، وقد سمّى النبيّ ﷺ الآلات: المعازف. وسنتتبّع، نقطةً نقطة، ما يعدّده الحديث، ونضع أمام كلّ نقطة ما قاسته البحوث المعاصرة.

1. التلاعب السياقي: صوتٌ يقرّر مكانك

المستوى الأول هو أخفى المستويات، وهو أكثرها إقلاقًا. فالموسيقى لا تحتاج أن تُسمَع لتؤثّر: يكفي أن تكون حاضرة. في سنة 1982 قاس رونالد ميليمان سرعة سير الزبائن في متجر كبير بحسب إيقاع الموسيقى المبثوثة. فمع الإيقاع البطيء كان الزبائن يسيرون أبطأ وارتفعت المبيعات بنحو 38%؛ ومع الإيقاع السريع كانوا يتعجّلون ويشترون أقلّ [citation:Milliman, R. E. (1982). Using background music to affect the behavior of supermarket shoppers. Journal of Marketing, 46(3), 86-91](https://doi.org/10.1177/002224298204600313). ولم يشعر أحدٌ في ذلك المتجر أنه مُتلاعَب به. عمل الصوت كضبطٍ للجوّ، لا كرسالة.

وبعد أحد عشر عامًا أعاد أريني وكيم التجربة في متجر خمور: فمع موسيقى كلاسيكية في الخلفية اشترى الزبائن قوارير أغلى بكثير مما اشتروه مع موسيقى البوب، مع بقاء الكمّية المشتراة على حالها [citation:Areni, C. S., & Kim, D. (1993). The influence of background music on shopping behavior. Advances in Consumer Research, 20, 336-340](https://www.acrwebsite.org/volumes/7521/volumes/v20/NA-20). لم يغيّر الصوت العطش، بل غيّر المستوى الذي اتُّخذ فيه القرار. وهذا هو معنى كلمة مِعزَف بالضبط: آلة، أداة. والأداة لا تقول شيئًا، بل تُنفّذ.

وقد دفع نورث وهارغريفز وماكندريك البرهان أبعد، فأثبتوا أن موسيقى الخلفية توجّه لا مقدار الإنفاق فقط بل نوع المنتج المختار، وأن هذا الأثر يُلاحظ أيضًا في اختيار الأطعمة ونوايا الاستهلاك [citation:North, A. C., Hargreaves, D. J., & McKendrick, J. (1997). In-store music affects product choice. Nature, 390, 132](https://doi.org/10.1038/36484)؛ [citation:North, A. C., Hargreaves, D. J., & McKendrick, J. (1999). The influence of in-store music on wine selections. Journal of Applied Psychology, 84(2), 271-276](https://doi.org/10.1037/0021-9010.84.2.271). والقاسم المشترك بين هذه الدراسات واحد: الشخص لا يعلم أنه متأثّر. وهذا ما يميّز التشكيل الصوتي عن الإقناع. لا يُقنعك أحد، بل يُهيّئك.

2. التشكيل التجاري: حين يصير الصوت ذكرى مشتراة

المستوى الثاني هو مستوى الجِنگل. فمقطع صوتي من ثانيتين، إذا تكرّر، صار مُطلِقًا: يُعيد إلى الذهن علامةً تجارية، وانفعالًا، ورغبةً، دون المرور بالتعقّل. ويفسّر البحث في الذاكرة الموسيقية السبب: فالذكريات المرتبطة بالموسيقى شديدة الرسوخ، وتتركّز حول فترة محدّدة من العمر — انتفاخ التذكّر الذي يبلغ ذروته نحو الرابعة عشرة، وهو السنّ الذي تكون فيه الموسيقى أكثر استثمارًا انفعاليًا [citation:Juslin, P. N., & Sloboda, J. A. (Eds.) (2010). Handbook of Music and Emotion: Theory, Research, Applications. Oxford University Press](https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780199230143.001.0001).

وصناعةٌ تعلم ذلك لا تبيع منتجًا، بل تبيع موسيقى تصويرية. تستهدف السنّ التي تكون فيها الذاكرة الانفعالية أطوع، وتُرسّخ فيها أصواتًا ستُطلق، بعد عشرين سنة، عملية شراء. والحديث يتكلّم عن آلات «تُلهي»: واللهو هنا ليس مجازًا. إنه مقيس ومؤرّخ ومُستغَلّ. فالمِعزَف لم يعد تسلية، بل أداةَ اقتناص.

3. تسوية الفكر: ما تفعله الكلمات بالعقل

المستوى الثالث يتعلّق بالمضمون. وهنا البحث أكثر تفصيلًا، ولا بدّ من قوله بصدق: أثر الكلمات في السلوك متوسّط في المواقف والتصرفات، لكنه قويّ في الانفعالات والأفكار المباشرة. أي أن الأغنية لا تحوّل السامع آليًّا إلى منحرف؛ لكنها تشكّل على نحو ثابت مناخه الداخلي وتصوّراته وردود أفعاله الذهنية.

والتحليل البَعدي المرجعي في هذا الباب هو تحليل أندرسون وكارناجي ويوبانكس، الذين جمعوا عقودًا من الأعمال: التعرّض لكلمات عنيفة يزيد الأفكار العدوانية والعدائية، بغضّ النظر عن النمط الموسيقي — أي أن المسألة ليست الراب ولا الميتال ولا الروك، بل المضمون اللفظي نفسه [citation:Anderson, C. A., Carnagey, N. L., & Eubanks, J. (2003). Exposure to violent media: The effects of songs with violent lyrics on aggressive thoughts and feelings. Journal of Personality and Social Psychology, 84(5), 960-971](https://doi.org/10.1037/0022-3514.84.5.960). وهذه النتيجة مهمّة لمقصدنا: فهي تنقل النقاش من النمط الموسيقي إلى الرسالة. فليس الصوت هو ما يسوّي الفكر، بل ما يُوضع فيه.

وهنا يأخذ النصّ القرآني معناه الكامل. تقول سورة لقمان (31:6) إنّ «لهو الحديث» يُشترى «ليُضلّ عن سبيل الله بغير علم». فالنصّ لا يستهدف التناغم، بل يستهدف الخطاب. يستهدف اللحظة التي يصير فيها الصوت حاملًا لمضمون، وهذا المضمون يعمل في العقل دون علم صاحبه.

4. السيطرة على النفس: دائرة المكافأة

المستوى الرابع هو مستوى اللذّة نفسها. فالموسيقى ليست محايدة بالنسبة للدماغ: إنها تُنشّط دائرة المكافأة الدوبامينية، وهذا التنشيط ليس مصاحبةً عابرة — بل يتوسّط سببيًّا اللذّة المُحسّة. وقد أظهر فيريري وزملاؤه أن حجب الدوبامين دوائيًّا يُقلّل اللذّة الموسيقية: فالموسيقى إذن تسلك فعلًا المسالك نفسها التي تسلكها سائر المكافآت [citation:Ferreri, L., Mas-Herrero, E., Zatorre, R. J., Ripollés, P., Gomez-Andres, A., Alicart, H., Olivé, G., Marco-Pallarés, J., Antonijoan, R. M., Valle, M., Riba, J., & Rodriguez-Fornells, A. (2019). Dopamine modulates the reward experiences elicited by music. PNAS, 116(9), 3793-3798](https://doi.org/10.1073/pnas.1811878116).

وهذا ليس شرًّا في ذاته: فالمكافأة آلية أرادها الخالق. والمشكلة تبدأ حين تصير هذه الدائرة موضعَ إدمان، وأخصّ من ذلك حين تصير موضعَ اجترار. فقد أظهر غاريدو وشوبرت أن الاستماع المتكرّر للموسيقى الحزينة قد يُطيل الحالة الاكتئابية ويُغذّيها بدل أن يخفّفها، بإطعامه اجترارًا لا يستطيع صاحبه الخروج منه [citation:Garrido, S., & Schubert, E. (2015). Moody melodies: Do they cheer us up? A study of the effect of sad music on mood. Psychology of Music, 43(2), 244-261](https://doi.org/10.1177/0305735613501938). فالصوت لم يُتلف الدماغ: بل ثبّت حلقةً. والحلقة، في النفس، تحتلّ مكانًا.

5. الاستبدال: حين يأخذ الصوت مكان الذكر

نصل إلى النقطة التي يقدّمها النصّ المقدّس، والتي لا يستطيع العلم إلا ملاحظتها من الخارج. فالخطر ليس أن تكون الموسيقى «سامّة»، بل أن تكون كافية. فصوتٌ يملأ القلب، ويضبط المزاج، ويمنح مكافأةً فورية قابلة للتكرار، يشغل بالضبط الوظيفة التي وُضع لها الذكر: الحضور، والسكينة، وتوجيه القلب.

ويصف القرآن هذا الاستبدال بعبارة بليغة: «وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» (الأنعام 6:70). فالمسألة ليست تحريم حديث، بل الإقرار بأن بعض المضامين، بمجرّد حضورها، تُبعد عن الذكر. وحديث البخاري (رقم 5590) يسير في الاتجاه نفسه: فهو يُنبئ بأقوام «يستحلّون» المعازف، أي يكفّون عن رؤية المشكلة — لا لأن الصوت جرحهم، بل لأنه شغلهم.

ولهذا فخاتمتنا ليست «الموسيقى تدمّر الدماغ»، بل هي أشدّ إلزامًا: الصوت أداة، والأداة تخدم دائمًا أحدًا. والسؤال ليس فقط ماذا أسمع، بل من يستعمله، ولأيّ غرض. والمؤمن الذي يُبقي هذا السؤال حيًّا يُبقي قلبه حرًّا.

حجج المعترضين

هذا التقارب، وإن كان موثّقًا، يستدعي تحفّظاتٍ ينبغي معرفتها لاستباق النقد:

  • آثار مخبرية لا مصائر. الدراسات المذكورة تقيس تغيّرات سلوكية قصيرة المدى (إيقاع، اختيار قارورة، مزاج بعد الاستماع). وهي لا تُثبت أن شخصًا يصير مُتلاعَبًا به أو مُسوّى الفكر على نحو دائم: فحجم الآثار يبقى متوسّطًا، والسياق الواقعي أعقد بكثير من متجر أو سمّاعة.
  • السببية يصعب عزلها. الارتباط ليس سببية: فمستمعو الكلمات العنيفة قد يكونون أشدّ عدائية قبل الاستماع. والتحليلات البَعدية تضبط جزءًا من هذه الانحيازات، لكنها لا تُزيلها كلّيًّا.
  • الحديث يُقرأ قراءةً موسّعة. حديث البخاري رقم 5590 صحيح، لكن تفسيره موضع خلاف بين العلماء: فمنهم من يرى فيه تحريم الآلات، ومنهم من يرى فيه تحذيرًا من استعمال معيّن (اللهو الذي يُلهي). وقراءتنا هي قراءة تحذير من الاستعمال، لا إدانة للصوت في ذاته.
  • أما المؤمن. فهذه الاعتراضات لا تنقص شيئًا: إنها تذكّر فقط بأن العلم يصف آليات، بينما النصّ المقدّس يتكلّم عن القلب. والمؤمن يرى فيها أن الصوت قد يخدم أو يستعبد — وأن الاختيار فيمن يستعمله إليه.

الاكتشافات العلمية

  • 1982: قاس ميليمان أثر إيقاع الموسيقى في سرعة السير والمشتريات في متجر كبير (+38% في المبيعات مع الإيقاع البطيء).
  • 1993: أظهر أريني وكيم أن الموسيقى الكلاسيكية في الخلفية ترفع متوسط سعر القوارير المشتراة دون تغيير الكمّية.
  • 1997-1999: أثبت نورث وهارغريفز وماكندريك أن موسيقى الخلفية توجّه نوع المنتج المختار دون علم المستهلك.
  • 2003: أظهر أندرسون وكارناجي ويوبانكس أن الكلمات العنيفة تزيد الأفكار العدوانية والعدائية بغضّ النظر عن النمط الموسيقي.
  • 2015: أظهر غاريدو وشوبرت أن الموسيقى الحزينة قد تُغذّي الاجترار الاكتئابي بدل أن تخفّفه.
  • 2019: أثبت فيريري وزملاؤه أن الدوبامين يتوسّط اللذّة الموسيقية سببيًّا (حجب دوائي).

المراجع العلمية

  • Using background music to affect the behavior of supermarket shoppers — Ronald E. Milliman (Journal of Marketing, vol. 46, n° 3, p. 86-91, 1982)
  • The influence of background music on shopping behavior: classical versus top-forty music in a wine store — Charles S. Areni & David Kim (Advances in Consumer Research, vol. 20, p. 336-340, 1993)
  • The influence of in-store music on wine selections — Adrian C. North, David J. Hargreaves & Jennifer McKendrick (Journal of Applied Psychology, vol. 84, n° 2, p. 271-276, 1999)
  • Exposure to violent media: the effects of songs with violent lyrics on aggressive thoughts and feelings — Craig A. Anderson, Nicholas L. Carnagey & Janie Eubanks (Journal of Personality and Social Psychology, vol. 84, n° 5, p. 960-971, 2003)
  • Mood and music: the role of rumination in the relationship between sad music and depression — Sandra Garrido & Emery Schubert (Frontiers in Psychology, vol. 6, art. 1737, 2015)
  • Dopamine modulates the reward experiences elicited by music — Laura Ferreri, Ernest Mas-Herrero, Robert J. Zatorre, Pablo Ripollés, Antoni Rodriguez-Fornells et al. (Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS), vol. 116, n° 9, p. 3793-3798, 2019)
العودة إلى التصنيفات