عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406)، المولود في تونس، يُعتبر أبا علم الاجتماع وفلسفة التاريخ. عمله الرئيسي، «المقدمة»، الذي كُتب عام 1377، يحلل آليات ولادة الحضارات ونموها ونضجها وسقوطها.
نظرية دورات الحضارات
لاحظ ابن خلدون أن الدول والحضارات تتبع دورة طبيعية من حوالي ثلاثة إلى أربعة أجيال (100-120 سنة). تشمل كل دورة: مرحلة التأسيس، مدفوعة بتماسك اجتماعي قوي (العصبية)؛ ومرحلة التوسع والازدهار؛ ومرحلة النضج حيث ينتشر الترف والراحة؛ ثم مرحلة الانحدار حيث يضعف التماسك، وينتشر الفساد، وتنهار الحضارة، تاركة المجال لقوة جديدة تحمل عصبية جديدة.
هذه الرؤية الدورية للتاريخ، الثورية لعصرها، أعاد اكتشافها المؤرخون الحديثون مثل أرنولد توينبي، الذي اعترف بابن خلدون كرائد لفلسفة التاريخ.
التقاء مع القانون الإلهي القرآني
هذا التحليل العلمي يلتقي بشكل ملحوظ مع القانون الإلهي المذكور في القرآن، الذي يصف الظاهرة نفسها كقانون من قوانين الله يطبق على الشعوب:
«أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ» (6: 6)
يصف القرآن بدقة الدورة التي نظّرها ابن خلدون: حضارة مزدهرة (تمكين في الأرض، أمطار، أنهار)، ثم تفسد (ذنوب)، ثم تُهلك وتُستبدل بجيل جديد. ابن خلدون، كعالم مسلم، اعترف بنفسه في القرآن بمصدر فهمه للدورات التاريخية.
كما تنص الآية 11 من سورة الرعد: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ». هذا القانون للسببية الاجتماعية، الذي صيغ في القرن السابع، هو جوهر النظرية الخلدونية لانحدار الحضارات بالفساد الداخلي.
الإسهام العلمي لابن خلدون
أدخل ابن خلدون منهجاً للتحليل التاريخي قائماً على ملاحظة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية، قبل علم الاجتماع الحديث لأوغست كونت وإميل دوركهايم بقرون. حلل تأثير المناخ على طباع الشعوب، والدورات الاقتصادية، وآليات الدولة. أثر عمله في مفكرين متنوعين مثل مكيافيلي ومونتسكيو وتوينبي.