في سورة النحل (16: 78)، يقول الله تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
«وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (16: 78)
تصف الآية كائناً يولد في جهل تام («لا تعلمون شيئاً») لكنه مجهّز سلفاً: السمع والبصر والفؤاد. أي أن المولود ليس صفحة بيضاء، بل يأتي بأعضاء وسلوكات جاهزة أُعدّت قبل ولادته. وهذا بالضبط ما يكشفه علم نمو الجنين من خلال سلوكين خاصين: الفواق ومنعكس المص.
الفواق: سلوك جنيني لا مجرد عَرَض
الفواق عند المولود ظاهرة عامة يُنظر إليها غالباً على أنها أمر عادي. غير أن المراقبة بالتصوير فوق الصوتي تُظهر أنه لا يبدأ عند الولادة، بل هو موجود عند الجنين منذ نهاية الثلث الأول.
- تُلاحظ حركات التنفس الجنينية، ومنها الفواق، منذ الأسبوع العاشر أو الحادي عشر من الحمل.
- الفواق الجنيني حركة حجابية إيقاعية، تختلف عن التنفس الهوائي، وتستمر حتى الولادة.
- عند المولود يكون الفواق أكثر تكراراً منه عند الراشد، ويحدث غالباً بعد الرضعات.
وقد اقترحت فرضية علمية بارزة، صاغتها كيمبرلي وايتهايد وزملاؤها (2019)، أن الفواق الجنيني والوليدي يؤدي دوراً في نضج الدماغ: فكل انقباض حجابي يرسل إلى القشرة موجة نشاط تساعد المولود على بناء «خريطة» لجسده وعلى تعلّم تنظيم تنفسه. فالفواق إذن ليس خللاً في الوظيفة، بل تمرين عصبي مبرمج.
منعكس المص: برنامج مكتوب قبل الولادة
السلوك الثاني أكثر إثارة: المولود يعرف الرضاعة منذ الدقائق الأولى من حياته، دون تعلّم. ومنعكس المص سلوك فطري يبدأ إعداده في الرحم.
- يظهر منعكس المص نحو الأسبوع 28-34 من الحمل، ويكون مكتمل الوظيفة عند المولود في تمام الحمل.
- يمصّ الجنين إبهامه في الرحم، مما يسهم في تدريب المنعكس والتحضير للتغذية.
- يُحدث المص عند الرضيع إفراز هرمونات هضمية وتهدئة، مما يدل على اندماجه في منظومة تنظيمات فسيولوجية.
وهكذا، فإن الطفل الذي «لا يعلم شيئاً» عند ولادته يعرف مع ذلك المص والبلع وتنسيق تنفسه مع المص — وهي سلسلة معقدة لو كان عليه تعلّمها لاستحال تغذية المولود. فهذه الكفايات مكتوبة قبل الولادة.
تقارب لا برهان
لا يصف القرآن هنا آلية بيولوجية، بل يقرر حقيقة عن حال الإنسان: يولد جاهلاً لكنه مجهّز. وعلم نمو الجنين يضيء هذه الحقيقة بإظهار أن المولود يأتي بسلوكات مبرمجة سلفاً يبدأ إعدادها في بطن أمه. وبالنسبة للمؤمن، ليست هذه القراءة برهاناً بل إضاءة: فالعلم في نطاقه الخاص يساعد على فهم جزء من الآية، ولا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك.
حجج المعارضين
- قراءة عامة أكثر من اللازم: الآية 16: 78 تذكر السمع والبصر والفؤاد، لا الفواق ولا المص؛ ورؤية إشارة إليهما فيها قراءة بأثر رجعي لا ينص عليها النص.
- سلوكات غير خاصة بالإنسان: الفواق والمص موجودان عند كثير من الثدييات؛ ويمكن بالتالي اعتبارهما إرثاً تطورياً مشتركاً لا علامة خاصة.
- وظيفة الفواق لا تزال محل جدل: فرضية دوره في نضج الدماغ جذابة لكنها غير محل إجماع؛ وترى أعمال أخرى أنه مجرد بقايا منعكسية.
- أما بالنسبة للمؤمن: فهذه الجدالات لا تمس صدق الآية. فالقرآن يقرر حقيقة عن الخلق، والعلم في نطاقه الخاص يؤكد كلام الله، ولا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك.