قال النبي محمد ﷺ: «لا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ». (رواه مسلم، رقم 2026، عن أبي هريرة). وفي رواية أخرى عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ نهى أن يشرب الرجل قائماً، فلما سُئل عن الأكل قائماً قال: «ذَاكَ أَشَرُّ وَأَخْبَثُ». (رواه مسلم، رقم 2024).
هذه الأحاديث توصي بالشرب جالساً. والعلم الحديث، دون أن يؤكد بشكل قاطع وجود خطر محدد للشرب قائماً، يوثق عدة آليات فسيولوجية تُضيء الحكمة من هذه التوصية.
الآلية الأولى هي ابتلاع الهواء (aerophagia)، أي بلع الهواء أثناء الشرب أو الأكل. فالشرب بسرعة، خاصة قائماً وفي وضعية غير مستقرة، يزيد من بلع الهواء. ويسبب ابتلاع الهواء التجشؤ والانتفاخ وتمدد المعدة، وهي أعراض موثقة جيداً في الطب الحديث.
الآلية الثانية تربط ابتلاع الهواء بالارتجاع المعدي المريئي. فتمدد المعدة الناتج عن الهواء المبتلع قد يزيد من حالات الاسترخاء العابر للعضلة العاصرة السفلية للمريء، مما يعزز ارتجاع محتويات المعدة نحو المريء.
الآلية الثالثة تتعلق بوضعية الجسم والبلع. وتُظهر دراسات فسيولوجية أن الجلوس باستقامة يسهل البلع الصحيح والانتقال السلس للطعام في المريء، بينما قد تؤدي الوضعية غير المستقرة أو الاستلقاء إلى اضطراب الحركة الدودية للمريء.
وأخيراً، تلعب سرعة الشرب دوراً: فالشرب جالساً وبتؤدة وعلى دفعات صغيرة يعزز ترطيباً تدريجياً وتحملًا هضمياً أفضل، على عكس الشرب السريع قائماً.
التقارب هنا معقول لكن يجب توضيحه: فالعلم لا يؤكد بشكل قاطع وجود خطر محدد وحصري للشرب قائماً. ويبدو الهدي النبوي وقاية حديثة تشجع على طريقة شرب أكثر تأنياً ونظافة وأكثر احتراماً لفسيولوجيا الجهاز الهضمي.
ملاحظة تحفظية: الآليات الفسيولوجية المذكورة (ابتلاع الهواء، الارتجاع، الوضعية) موثقة، لكن العلم لا يُثبت رسمياً أنها تتفاقم بشكل خاص بالوقوف وحده. وتكمن حكمة الحديث أكثر في تعزيز ترطيب متزن ومتأنٍ منه في إثبات خطر طبي مطلق مرتبط بالوقوف.