أبو الريحان البيروني (973-1048)، العالم الموسوعي المولود في منطقة خوارزم (أوزبكستان حالياً)، من أعظم العقول العلمية في التاريخ. طور خاصة طريقة بارعة لقياس نصف قطر الأرض، دون مغادرة الأرض، بدقة ملحوظة لعصره.
طريقة قياس البيروني
حوالي عام 1020، خلال إقامته في وادي السند (باكستان حالياً)، ابتكر البيروني طريقة هندسية أنيقة لتحديد نصف قطر الأرض. قاس أولاً ارتفاع جبل باستخدام نقطتي رصد وعلم المثلثات. ثم، من القمة، قاس زاوية انخفاض الأفق (الزاوية بين الخط الأفقي وخط النظر نحو الأفق المرئي).
بمعرفة ارتفاع الجبل (h) وزاوية الانخفاض (θ)، طبق العلاقة الهندسية التي تربط هذه المقادير بنصف قطر الأرض (R): R = h × cos(θ) / (1 - cos(θ)). هذه الصيغة تنبع مباشرة من هندسة الدائرة والمماس لها.
حصل البيروني على قيمة حوالي 6339.6 كم لنصف قطر الأرض، قريبة بشكل ملحوظ من القيمة المتوسطة الحديثة 6371 كم (أي خطأ أقل من 0.5%). هذا القياس مثير للإعجاب لأنه تم دون أدوات بصرية حديثة، فقط بالأسطرلابات والحسابات المثلثية.
المقارنة مع إراتوستينس
قبل ثلاثة عشر قرناً تقريباً، قدر الإغريقي إراتوستينس (حوالي 276-194 قبل الميلاد) محيط الأرض بمقارنة ظل الشمس في سيينا (أسوان) والإسكندرية. طريقته، القائمة على قياس قوس من خط الطول، أعطت قيمة صحيحة بشكل ملحوظ. طريقة البيروني مختلفة: لا تتطلب السفر لمسافة طويلة ولا مقارنة ملاحظات متزامنة في مكانين. تعتمد فقط على القياس المحلي لجبل وزاوية الأفق، مما يجعلها أبسط في التنفيذ ومستقلة عن أخطاء المسافة بين مدينتين.
توضح هاتان المقاربتان المتكاملتان نضج علم قياس الأرض القديم والوسيط، وتؤكدان أن كروية الأرض وأبعادها كانت معرفة مثبتة ومقاسة علمياً قبل العصر الحديث بوقت طويل.
التقاء مع القرآن
يحتوي القرآن على آيات تشير بقراءة متأنية إلى شكل الأرض. الآية 30 من سورة النازعات تُستشهد بها كثيراً في هذا الشأن:
«وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا» (79: 30)
الفعل العربي «دحا» اشتُق منه اسم «دحية» الذي يطلق على بيضة النعامة. يرى بعض العلماء المسلمين والمفسرين المعاصرين فيه إشارة إلى الشكل الجيوئيدي للأرض، المنبعج قليلاً عند خط الاستواء والمفلطح عند القطبين، الشبيه بالبيضة. غير أنه ينبغي التحلي بالصدق هنا: التفسير الكلاسيكي الغالب يفهم «دحا» بمعنى «بسط، مهد، جعلها صالحة للسكن»، وتفسير «على شكل بيضة» محل نقاش وأقلية. لذا يجب عرض هذا التقاء بحذر.
آية أخرى في سورة الزمر تقدم سنداً لغوياً مثيراً للاهتمام. تستخدم الفعل «يكوّر» الذي يعني حرفياً «يلف، يلتف مثل العمامة»:
«خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ» (39: 5)
اختيار الفعل «يكوّر» — وهو نفسه المستخدم للف العمامة حول الرأس — يوحي بفعل التفاف دائري للّيل حول النهار، بما يتسق مع سطح أرضي كروي. وهنا أيضاً، يقرأ التفسير الكلاسيكي في الآية أساساً تعاقب الليل والنهار المنتظم؛ وحجة الكروية تقوم على القيمة الدلالية للفعل لا على المعنى الأول الذي اعتمده المفسرون. لذا ينبغي عرضه كقراءة ممكنة لا كحقيقة تفسيرية قاطعة.
تكمن قيمة مثال البيروني أساساً في إظهار أن الحضارة الإسلامية أنتجت، منذ القرن الحادي عشر، علماً هندسياً دقيقاً قاس كروية الأرض — وهي معرفة يلمح إليها القرآن بشكل إيحائي، دون أن يصفها صراحة في آية واحدة قاطعة.